|
 في بداية العام أعلن سماحة الإمام السيد علي الخامنئي (مد ظله العالي ) هذا العام تحت اسم : عام ترشيد الاستهلاك . ولهذا الإعلان فلسفته الدينية المعمّقة ، فالدين يرفض التبذير والإسراف ، ويكفي لمعرفة ذلك أن العديد من الآيات القرآنية الكريمة ذمّت الإسراف والمسرفين والتبذير والمبذرين . حتى أصبح هؤلاء إخوة للشياطين ، كما ورد في كتاب الله تعالى « إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا » (الإسراء 27) . وصار الإسراف سبباً لهلاكهم « ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَاء وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ » ( الأنبياء 9) . ومنشأ الفساد لديهم « .. وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ » ( الشعراء 151-152) . ومحل البغض الإلهي « وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ » (الأنعام141) . ومن ناحية ثانية ، فإن التبذير مضيعة للمال ، وله اثر اقتصادي سيء على عامة الناس ، والتبذير مفتاح من مفاتيح الفقر والعوز لديهم . من هنا كان لا بد من طرق باب ترشيد الاستهلاك من الزاوية الصحية ، وبالتحديد ترشيد استهلاك الدواء . فقد أكدت الروايات الكثيرة عن أهل البيت (عليهم السلام) على المريض أن لا يراجع طبيباً ما دام قادراً على تحمّل الداء ، لأن استعمال الدواء بلا ضرورة مضرّ لصحة الإنسان ، وقد ورد عن النبي الأكرم (ص) « تجنّب الدواء ما احتمل بدنك الداء ، فإذا لم يحتمل الداء فالدواء » وعنه (ص) أيضاً « من استقل بدائه فلا يتداويّن ، فإنه ربّ دواءٍ يورث الداء » وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال : « امشِ بدائك ما مشى بك » كما روي عن الإمام الكاظم (عليه السلام) : « ادفعوا معالجة الأطباء ما اندفع الداء عنكم ، فإنه بمنزلة البناء قليله يجرّ إلى كثيره » . ووفقاً لما تقدم ، فلو فرضنا أن مريضاً أهمل هذه الإرشادات وراجع الطبيب ، فإن الطبيب الملتزم الورع هو الذي إذا عرف بعد الفحص أن المرض بسيط ولا يحتاج إلى دواء ، فلا يكتب وصفةً ولا يسوّغ دواءً ، وإذا شخّص أن استعمال الدواء ضروري فلا يكتب أكثر من المقدار اللازم وينصحه باستعمال بدائل بسيطة عن الدواء ، ولكن مشكلة اليوم لدى المرضى أنهم لا يثقون بالطبيب الذي يكتفي بوصف الدواء اللازم ، وإنما معيار الثقة لديهم هو الطبيب الذي يملأ وجهي الوصفة بأسماء الأدوية . لذا فإن معظم صيدليات البيوت تحتوي على كميات كثيرة من أدوية لا يستفاد منها ، إما بسبب انتهاء صلاحيتها قبل الحاجة إليها ، وإما بسبب عدم معرفة وجهة استعمالها ، لذلك ينبغي تجميع الأدوية – ولو بعض الحبات – المتبقية بعد كل علاج والتبرع بها إلى الجهات والمؤسسات الخيرية ، والتي تعرف كيف تستفيد منها لخدمة المستضعفين ، فسياسة صرف حاجة المريض من الدواء واحتسابها بحبة الدواء بحيث يتم تسليم المريض عدد حبات الدواء التي تناسب مدة علاجه الموصوفة له من الطبيب ، هذه السياسة متبعة في أكثر البلدان المتقدمة على المستوى الصحي (كندا مثلا) ، وهذا الأمر له العديد من الفوائد الصحية والاقتصادية ، نذكر منها : 1 – تخفيف قيمة الفاتورة المالية للدواء . 2 – إزالة خطر استعمال الدواء بشكل خاطئ لاحقاً ، خصوصاً من الأولاد أو كبار السن . 3 – عدم الهدر (الإسراف) وتلف المتبقي من العلاج . هذا من الناحيتين الصحية والاقتصادية ، أما من ناحية أخرى وخاصة فيما يتعلق بالأمراض ذات العلاجات الطويلة الأمد ( أسابيع أو اشهر ) كعلاج ضغط الدم أو السكري ..، هناك دائماً احتمال تبديل الطبيب للدواء من أجل تحسين النتائج والوصول إلى الدواء الأنسب للمريض ومراحل عمره ووزنه والعوارض التي تلحق به ، لذلك ينصح بعدم شراء كامل العلاج مباشرة والأفضل أن يتم شراء الدواء بشكل تدريجي حسب الحاجة وتطور العلاج ، لأنه يمكن أن تظهر بعض العوارض السلبية ، فتؤدي إلى ترك الدواء أو استبداله وبهذا يترتب على المريض خسارة كبيرة . كما لا بد من تصحيح المفهوم الشائع عند الناس حيث يعتقد البعض خطأً أن الإكثار من إعطاء الدواء يعطي نتيجة أسرع ، بل العكس فمثلاً : يجب عدم الإكثار من تناول دواء مخفض الحرارة لأن الدراسات العلمية تؤكد أن الإفراط في تناوله قد يعود بتأثيرات سلبية على صحة الطفل ، وكذلك بعض المسكنات فإن كثرة إعطائها للطفل دون مراعاة ضوابط معينة مثل أخذها صباحاً على الريق ، أو ليلاً دون طعام ، يسبب تقرحات في المعدة . من ناحية أخرى نرى البعض يسارع من تلقاء نفسه عندما يشعر بأية حالة مرضية ، ويتناول أدوية الالتهابات ، علماً أنه يجب أن لا يأخذ المريض دواء الالتهاب إلا عبر الطبيب المختص وبعد تشخيص الحالة المرضية له ، فتناول المضادات بشكل غير مدروس يسبب ضعف المناعة الطبيعية عند الإنسان ، ويدخله في أمراض مستعصية .
|